السيد علي عاشور
93
موسوعة أهل البيت ( ع )
فقد أخطأ من قال : حسبنا كتاب اللّه ، وأعرض عن قول رسول اللّه . الأمر الثاني : أنّ اللّه تعالى أوجب على النّاس إطاعة أولي الأمر كما أوجب إطاعته وإطاعة رسوله ، فالحري بالطالب النهج القويم أن يرى بعين العلم والمعرفة رأيه في معنى أولي الأمر ، ومراده عزّ وجل منهم فنقول : قد فسّر بعضهم أولي الأمر بالأمراء ، وبعض آخر ومنهم الفخر الرازي في تفسيره بالعلماء ، ولا يخفى أنّ المعنى الثاني عدول عن الصواب جدّا ، فإنّ أولي الأمر ، هم مالكوا الأمر ومالك الأمر من بيده الحلّ والعقد والأمر والنهي والتدبير والسياسة ، وما فيه تنظيم أمور الناس ، دينيّة كان أو دنيويّة ، فكيف يجوز تفسير أولي الأمر بالعلماء ، سيّما في كلام اللّه الذي هو في غاية الفصاحة ونهاية البلاغة ومعجزة النّبوة الباقية وهل هذا إلّا الخروج عن مجرى الفصاحة والورود في مورد السخافة . أمّا مراده عزّ وجلّ من أولي الأمر فنقول : إنا نعلم بتّا أنّ كثيرا من الخلفاء والأمراء ، كمعاوية ويزيد والوليد والحجّاج وآل أميّة وبني مروان والخلفاء العبّاسييّن وأمثالهم قديما وحديثا لعبوا بالدّين ، واتخذوا كتاب اللّه سخريا وفعلوا من الفواحش والمنكرات وفنون الظلم والمنهيّات من سفك الدماء وأخذ أموال الرعية ظلما وشرب الخمر ونحوها ، ما يتعذر عدّها وتشمئز النفوس المطمئنة السليمة عن استماعها وتستقبح ذكرها ، ولو نذكر معشارا من ظلمهم وسائر فواحشهم ومقابحهم مما نقل في كتب القوم ومصنفاتهم لبلغ مبلغا عظيما ، وهذا هو الوليد بن يزيد نذكر فعلا من أفعاله يكون أنموذجا لسائر آثاره ، وإن بلغ في الفسق والفجور إلى حد لا يناله يد إنكار ولا يرتاب فيه أحد ، ولعمري أني أستحي من نقل هذه القضيّة الصادرة منه ولكني أقول : أنّ من جانب المراء واللداد وتقليد الآباء والأجداد وأعرض عن الأغراض النفسانية والعصبيّة ، ونظر بعين العلم والبصيرة وتفكّر ساعة في معاني الآيات والأخبار وتأمل في غرض البعثة ، وتكليف العباد وأراد أن يسلك مسلك السداد والرشاد هل يرضى بإمارة من يرتكب من المعاصي والفواحش ما يستحيي بذكره الإنسان ، وهلا يقضي عقله بأنّه لو كان الوليد وأشياعه مالكي أزمّة الأمور ، والقائمين مقام الرسول ، لما كان إرسال الرسل وإنزال الكتب إلّا اللهو والعبث واللعب . قال أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني ( ص 174 ج 9 طبع ساسي ) في ترجمة عمّار ذي كناز بإسناد عن العمري أنّه قال : إستقدمني الوليد بن يزيد بعد هشام بن عبد الملك ثمّ قال لي : هل عندك شيء من شعر عمّار ذي كناز ؟ فقلت : نعم ، أنا أحفظ قصيدة له ولكن لكثرة عبثي به قد حفظتها فأنشدته قصيدته التي يقول فيها : حبذا أنت يا سلامة الفين حبذا إلى آخر القصيدة . وأنا أعرضت عن الإتيان بها لشناعتها وقباحتها ، وأجلّ صحيفتي المكرّمة عن أن تملأ بتلك